المؤتمر الأول (التأسيسي) للتحالف المدني السوري

28/06/2017

بعد اجتماع دامَ أربعة أيام تم الإعلان في بيروت عن استكمال تأسيس التحالف المَدني السوري تماس بمشاركة أكثر من خمسين منظمة عمل مدني من داخل وخارج سوريا عبر ٦٧ مشارك حضر أكثر من ٤٣٪ منهم من داخل سوريا وبحضور نسائي قوي تجاوز ال ٤٢٪ من المشاركين

يأتي التحالف استجابة لعدة احتياجات بنيوية وثقافية، منها الفراغ الكبير في المشهد السوري للتخطيط الاستراتيجي التشاركي المبني على أسس معرفية والمعني بمصلحة سوريا كلها وبالاستجابة إلى متطلبات المجتمع السوري وفق أولوياته. وكذلك الاستجابةً لضرورة إعلاء الصوت المدني السوري المُعبر عن مصلحة المجتمع وتحويله إلى رأي مدني ضاغط، يلعب دورا محوريا في صنع القرارات المعنية بالشأن السوري، ويفرض وجوده كشريك مؤثر على رسم السياسيات المؤثرة في الشأن السوري. وكذلك الاستجابة إلى الحاجة لبناء منصة للعمل بين المشاركين ضمن التحالف مما يعظم الموارد الفنية والمالية

تجاوز وعي المؤتمرين الانقسامات التي تعصف بالمجتمع السوري والضغوط التي يخضع إليها معظم الفاعلين ليتم استقطابهم لجِهةٍ على حساب أخرى وأجمعوا على التحالف سويةً من أجل حاضر ومستقبل سوريا مدفوعين بالإرادة المستقلة لتجاوز الانقسامات المتعددة لأنهم يطمحون إلى سوريا مستقلة معافاة من انقساماتها

حافظ المنظمون للمؤتمر على هويته السورية المستقلة فكانت المشاركة للسوريين حصراً باستثناء الخبراء اللبنانيين السيد أسامة صفا والدكتور كرم كرم والذين كان لهم دور في المساعدة في تيسير الجلسات وتقديم خبرتهم فيما يمكن للمجتمع المدني السوري أن يتفاداه إذا تعلم من الأخطاء والمصاعب التي واجهت المجتمع المدني اللبناني بالإضافة إلى السيد كارستنفيلاند ممثل الممثل الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية بشأن سوريا السيد الابراهيمي

بدء اليوم الأول باستعراض التحديات الكبيرة التي يتعرض لها المجتمع المدني الناشئ في سوريا. ثم انطلقت مجموعات عمل على التوازي على استكمال الأوراق التأسيسية للتحالف مما أكسب المنتج النهائي ملكية فكرية مشتركة لكل المشاركين وأغنى المضمون بشكل تشاركي، حيث تم تحديد القيم الأساسية والمصالح المشتركة التي ستكون بوصلة عمل التحالف انطلاقاً من أوراق عمل معدة مسبقاً محفزة للنقاش مقدمة من د. حسان عباس ود. عبد الله تركماني والسيد ناصر الغزالي، وتمت مناقشة كذلك الشكل الأمثل للحوكمة الداخلية والإطار التنظيمي للتحالف وآليات التواصل والضغط والمناصرة التي سيتبناها

وجاء اليومان الثاني والثالث للعمل على المحاور الأربعة الرئيسية لِعَمل التحالف وهي

١-صناعة السلام وبناء السلم الأهلي والوحدة الوطنية

٢-المرجعية المعرفية، توليدها ونشرها

٣-تلبية الاحتياجات الإنسانية والتنموية

٤-تفعيل الإطار القانوني وتحسين الحوكمة في قطاع المجتمع المدني

استعرض فريق صناعة السلام العقبات التي تَقف في وجه بناء السلام في سوريا من أسفل الهَرم إلى أعلاه مثل غياب الإرادة السياسية لدى الأطراف والتدخلات الإقليمية والدولية واقتصاد الحرب والغياب الكبير لآليات حفظ السلام وبنائه عدا عن غياب نموذج ناجح لاتفاقات السلام المناطقية يمكن البناء عليه، حيث أن الاتفاقات التي تم التسويق لها مؤخراً لم تكن مصالحات واتفاقات سلام حقيقية يمكن أن تؤسس لاستقرار مستدام.

أغنى الفريق وجود عدة أعضاء كانوا قد شاركوا بشكل مباشر في عدة مفاوضات محلية في سوريا فكان لخبرتهم العملية دور كبير في أخذ النقاش باتجاه الواقع السوري وخصوصيته.دَرس المشاركون نماذج بناء السلام التي يمكن أن تطبق على الحالة السورية أكثر من غيرها والتي يمكن أن تلحظ خصوصية كل منطقة في سوريا ومتطلباتها الخاصة لتحقيق السلام فيها، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن تكون الاتفاقات المحلية جزء من رؤية وطنية متكاملة للسلام بحيث لا يكون تحقيق وقف إطلاق النار في منطقة ما مُجرد تكتيك عسكري لاقتحام منطقة أخرى. توصل المشاركون إلى ضرورة رسم استراتيجية تحقيق سلام عابرة للقطاعات بحيث يمكن لأي منظمة عضو في التحالف أن تتبناها وأن تُسخر عملها ضمن قطاعها سواء كان تربوي أو تنموي أو أي قطاع نشاط آخر لصالح تحقيق السلام كقيمة مضافة إلى دورها الأساسي. كما تم الاتفاق على ضرورة العمل من وسط الهرم للضغط على صناع القرار في أعلاه وكذلك العمل على تَفعيل صوت وقوة السلام داخل المجتمع السوري من أسفل الهرم نحو الأعلى. وتم الاتفاق على أن المقاربة الأنسب لحل الصراع الدائر في سوريا هي ليست إنهاء هذا الصراع، حيث أن له جذور عميقة سياسية وتنموية واجتماعية وغيرها، وإنما المطلوب هو تحويل هذا الصراع من صراع عنفي إلى صراع سلمي لا يدمر المجتمع. أي أن مضمون الصراع يمكن أن يكون بحد ذاته قوى إيجابية تحرك المجتمع نحو تشكيل الهوية السورية وبناء عقد اجتماعي جديد وخلق فضاء لا يشعر فيه كل مكون سوري أن المكون الآخر هو تهديد لوجوه وحقوقه وهويته وبذلك يكون التنوع السوري مصدر غنى خلاق بدل أن يكون دافعاً للاقتتال والتناحر.

فيما اقر فريق عمل المرجعية المعرفية، الفجوة المعرفية الكبيرة في المشهد السوري والتي تتجلى بعض نتائجها في رسم سياسات واستراتيجيات وخطط عمل تفتقر بشكل كبير لمعرفة علمية بالواقع السوري. كما ناقش أدوات العمل المعرفي وسبل إنتاج المعرفة وانتقاء أكثر المصادر موثوقية. وخرجت المجموعة بأفكار لمشاريع ستبدأ بالعمل عليها للتصدي لمشكلة النقص في المرجعية المعرفية في سوريا وايضاً لكي يتم تغذية أعضاء التحالف بما ينقصهم من معلومات وخبرات لكي يكون عملهم وخططهم أكثر فاعلية ونجاعة.

أما فريق عمل الاحتياجات التنموية والإنسانية فقد ناقش تحديد مجال التدخل بين الإنساني والتنموي وضرورة استثمار الإنساني في التنموي لإكسابه استدامة معينة والخروج من سد الاحتياجات إلى تطوير قدرة الاستجابة لها. كما ناقش ضرورة العمل على إعادة البناء الاجتماعي والإطار التنموي كأساس لإعادة الإعمار الفيزيائي وضرورة الاستمرار في بناء الحوامل التنموية بأبعادها الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية والمؤسساتية دون انتظار انتهاء العنف، بل أن عملية البناء نفسها يمكن أن تسخر لصالح إنهاء العنف. كما خلص النقاش إلى تحديد لمركبات العملية التنموية وحاملها المحلي من خلال بناء ديناميكية ضمن المجتمع الحاضن للعملية التنموية والنظر إلى التنمية من مفهوم أنها تمكين وتوسيع لخيارات الإنسان، أي أنها باختصار حق وحرية. كما ناقشت آليات ضخ المساعدات على أنواعها في عجلة الاقتصاد السوري بهدف تحويل رأس المال النقدي إلى خدمات مبنية في السوق السورية. وطرحت المجموعة عدة مشاريع وخطط مبنية على هذه الاسس ستكون محور عملها في المرحلة القادمة.

أما مجموعة الحوكمة والإطار القانوني فقد ناقشت الدور الذي يمكن أن يلعبه التحالف في حوكمة قطاع العمل المدني وحماية العمل المدني من الانقسام وكذلك دعم وتوسيع الحيز المدني المطلوب لبناء عملية السلام. ناقش المشاركون الهيكل التنظيمي الأمثل للتحالف وشروط عضويته كما حددوا المعالم الرئيسية لوظائفه الأساسية لتكون:

١- وظيفة أخلاقية تتلخص في نشر الثقافة المدنية وتحويل القيم إلى عمل مدني حقيقي والعمل على التخفيف من حدة الاستقطاب والعمل على بناء السلام والخروج بسوريا بأمان من هذه المرحلة الحرجة.
٢- وظيفة معرفية تتلخص في العمل على تأسيس قوة معرفية ونسج عقل جماعي لتبادل الخبرات وتوليد المعرفة والأفكار وتوضيح المفاهيم بالإضافة إلى العمل على نشرها بطريقة قادرة على الوصول إلى والتأثير على المعنيين بالتغيير.
٣- وظيفة عملية في دعم العمل المدني وتمكينه وتكريس أثره والعمل على إغلاق الهوة بين المنظمات ومستوياتها والتشارك بالموارد والمشاريع. هذا مع التأكيد على أن الهدف ليس هو توحيد المجتمع المدني كله في جسم واحد يعتبر نفسه مرجعية وحيدة، بل التأكيد على مبدئي التشبيك والتشاركية.

تعرض النقاش عدة مرات أثناء المؤتمر إلى الفروق والتقاطعات بين العمل المدني والسياسي وفيما إذا كان من الواجب تحديد هوية سياسية معينة للتحالف. وتم توضيح أن الفرق الأساسي بين العمل المدني والسياسي هو أن العمل المدني لا يهدف إلى الوصول إلى السلطة وإنما الاستجابة إلى احتياجات المجتمع والتعبير عن مطالبه وطموحاته، وإنتاج ثقافة احترام الحقوق والقانون والالتزام بالقيم الديمقراطية. وبذلك فإنه من الضروري تجنب أي توجه يهدف إلى خدمة طرف سياسي بعينه، لكن بنفس الوقت فإنه من الضروري جداً الالتزام بمواقف واضحة وصريحة من كل جهة تنتهك الحقوق والحريات وتتسبب بالدمار والانهيار المجتمعي أياً كانت هذه الجهة. بل أن تأكيد التحالف على استقلاليته هو الذي يضعه في موقف أقوى عندما يتصدى إلى هذه الانتهاكات، لأن أساس موقفه هو من انتهاك الحقوق ومصالح المجتمع وليس من الأطراف بحد ذاتها. كما تم التأكيد على أن هذه المعيارية في العمل المدني تنطبق على عمل الأعضاء ضمن فضائه لكنها لا تحرمهم أبداً من حقهم في الانتماء السياسي خارج إطار التحالف ومن أن يكون لهم موقف سياسي واضح وصريح. كما تم التأكيد على أن التحالف يهدف لأخذ التغيير في سوريا في اتجاه السير نحو نظام ديمقراطي يقوم على أسس المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، وبذلك فهو يلعب دور في تكريس دور أساسي للصوت المدني في شكل الدولة المقبلة، ويؤسس في نشاطه لتنمية سياسية عميقة تمهد لبناء حياة سياسية حقيقية وراسخة في المجتمع.

تم التوافق في نهاية المؤتمر على اختيار لجنة إدارة مؤقتة من تسعة أشخاص لتسيير أمور التحالف والبدء بنقله إلى الشكل المؤسساتي الذي تم التوافق عليه في المؤتمر وتنتهي مهمتها في نهاية هذا العام. وتم اختيار أعضاء هذه اللجنة بالتوافق وهم:

صهيب الزعبي، فائق حويجة، علاء الدين زيات، خالد بيطار، ماسة المفتي، إبراهيم مسلم، مازن غريبة، ريم تركماني وابراهيم غزول.

كما تم اختيار أعضاء خمس لجان فرعية تخصصية تعني كل منها بأحد محاور العمل الأساسية للتحالف بالإضافة إلى لجنة للتواصل والإعلام.

في نهاية المؤتمر دعا التحالف إلى يوم مفتوح عرض فيه نتائج عمله وكان فرصة للتفاعل مع الجهات المهتمة بعمله وفتح النقاش معها حول هوية التحالف ودوره في المرحلة المقبلة.