كلمة افتتاح أعمال المؤتمر الرابع

05/07/2018

بدأت الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الرابع التي القتها رئيسة التحالف المدني السوري السابقة "ملاك سويد"بالوقوف دقيقة تخليدا لذكرى جميع المدنيين الذين غادروا وهم يحاولون استعادة روح التغيير وجعل الحرية والتقدم والتنمية مرتكزات لمسيرة السوريين المقبلة. وبعدها استكملت بالكلمات التالية:

الأعزاء والعزيزات جميعا

أقل من عام ونصف المسافة التي تفصلنا عن المؤتمر الثالث الذي عقد في بيروت أيضا، والذي انتهى بمجموعة كبيرة من التوصيات والأهداف والخطط، كانت مرجعنا ونحن ندفع عربة الحراك المدني لتستعيد دورها المحلي والدولي، وكانت المنظمات تتابع لعب أدوارها في مختلف قطاعات العمل الانساني والمدني، تكتشف مسارات جديدة، وتتابع التشبيك والانخراط أكثر في هموم الناس وتلتمس التعبير عن مصالحهم في شتى مجالات التفكير والممارسة.

رؤيتنا تتابع جلاءها بالرغم من العتم والتشويش الذي فرضتهم تغيرات الصراع، وإذا كان هدفنا المديد ما يزال هو الانتقال بالتحالف من الشراكة الى منظومة اللوبي الفاعلة تأثيرا وتواصلا، لكننا – واستجابة لمتغيرات الواقع السوري – حددنا لكل مؤتمر رؤية رئيسية كجزء من هذا المسار الطويل:

قلنا مع الأول أنه بداية الطريق نحو اللوبي المدني

وقلنا مع الثاني أننا نرفض تكريس خطوط الصراع في المجتمع السوري ومهمتنا تحقيق اختراقها

وقلنا مع الثالث أن مصدر قوتنا علاقة وطيدة مع الناس وتشبيك متعدد الابعاد مع الشركاء

ونحدد اليوم رؤيتنا للمؤتمر الرابع بأنه يعقد تحت مقولة: "من الممكن أقل شرط أن يكون أفضل" وأعتقد أن المعنى يؤكد أن نواة صلبة حقيقية من مجموعة منظمات فاعلة ستكون خطة عملنا للعام القادم وعلى نجاحها سيتوقف الكثير.

على هذا الأساس طورنا وما نزال مفاهيم جديدة للشراكة على المستويات المحلية ومستوى أعلى من التشبيك بين المجموعات المدنية والشبكات، وقمنا بتثبيت مزيد من الركائز الضامنة على المستوى الدولي تتيح القول بشيء من الثقة أن المنظومة المدنية السورية لن تكون شيئا عابراً في مسار الحل السياسي، بل انها ستلعب دور الموازن الحساس لمصالح المجتمع السوري كل المجتمع السوري .

المندوبات والمندوبون … الضيوف الأعزاء

تمتلك بلادنا اليوم جميع ملامح الأزمة العامة في السياسة الدولية فقد انطلقت مما هو شأن محلي لإقليمي ثم دولي في تدحرج خطر تجاوز حدود الجغرافيا ليجر معه مناطق أخرى مجاورة وشكل خاصرة رخوة لاجتذاب المشكلات وتصفية الحسابات الدولية وبؤرة جذب للحركات الراديكالية المختلفة .

لقد وجد الميزان الدولي المختل وتنامي أجواء جديدة للحرب الباردة في الجغرافيا شرق المتوسط، ضالته الكبرى ليقود الصراع باتجاه حلبة دولية لتسجيل النقاط، وغابت نقطة التوازن في العلاقات الدولية – والتي كان يمكن أن تشكل نافذة للحل – غابت في لعبة تجاذب دفعت بالبلاد الى حافة كارثة انسانية ومصيرية سيكلف تجاوزها مزيدا من الجهود والضحايا ونزيف الموارد البشرية، والمادية وأرصدة المستقبل للأجيال القادمة، ناهيك عن النزف الكبير للكوادر عبر الهجرة وتآكل الرأسمال الاجتماعي ومن هنا صنفت هذه الكارثة بالأسوأ ما بعد 1945 .

ومن بين كل الخيارات التي كانت متعددة في المراحل الأولى وضيقة في السنوات الأخيرة كان المتصارعون يختارون دوما السيناريو الأكثر سوءا، ولم تكن مصالح المجتمع السوري وقضايا السكان الرئيسية يوما تدخل في حسابات المتصارعين محليين وإقليميين ودوليين.

ودفع المجتمع المدني وكوادره المنظمة من منظمات وهيئات ومبادرات الضريبة الكبرى لهذا الصراع عبر تصديه لمهمات متعاظمة وكبيرة من حيث الموارد المطلوبة ومستوى الخطورة والعنف غير المسبوق الذي لا يحترم أية قوانين انسانية وحقوقية تضبط مرحلة النزاعات.

كان على العاملين المدنيين دوما تخفيف الام المجتمع التي تصنعها صراعات مختلفة لصالح اجندات غير وطنية وخاضعة كليا لصراعات اقليمية ودولية ومع ذلك لم يتوقف عمل هؤلاء بالرغم من كل التضحيات المقدمة ولكن يجب الاعتراف أن الكثير مما بذلته الحركة المدنية لتعويض غياب الدولة عن جميع المناطق كانت الصراعات تعود فتهدْ ما انجز تحت شعار ان كل شيء للمعركة وهو شعار العاجزين عن الحلول لأنه اعتبر أنَّ وقود هذه المعركة هم الناس وليس الحفاظ على حياة الناس.

يبقى الموقف المعادي للحرب أحد أهم موحدات المجتمع السوري وتبقى خيارات الحل السياسي محرك نشاط القوى المختلفة سواء تلك الجادة العاملة في المسارين الثالث والثاني على الرغم من انعدام الأمل بين خيارات المتفاوضين على المسار الأول الغارقين في امتدادات اقليمية خارج دائرة المصلحة الوطنية.

إن تكوين قوة سلام لاعنفية مجتمعية جادة ومؤثرة رهن بخطاب معرفي مدني يتجاوز خطوط الصراع ويقدم مقولات مضادة لخطاب الكراهية الذي نما وتغذى من مندرجات الصراع واقصائيته ومن اعتماد مصادر اعلامية كثيرة خطابا تحريضيا متبادلا ينذر بإطالة أمد الحرب لعقود إذا بقي على هذه الوتيرة العالية بدون مواجهة. وهذه واحدة من المهمات الكبرى المطلوب بحثها بعمق وإيجاد مقترحات حولها.

من على هذا المنبر تطرُقُ الأسئلة الصعبة أبوابنا محفزة وباحثة عن مسارات أجوبة، والحركة المدنية السورية لم تعلن عجزها بعد بل هي تراقب عجز العسكريين والسياسيين بكثير من القلق والانتباه وبكثير من ارادة التحدي.

:ومن بين رزمة الأسئلة التي نضعها على طاولة مؤتمرنا الرابع نطلق التالي:

هل نضجت عقلية التحالفات الى مستوى يمهد للحديث عن مفهوم اللوبي؟

هل المجتمع السوري اليوم ميال أكثر من السابق لتعميق حوارات سورية سورية؟

هل البنى التنظيمية السابقة قابلة لملاقاة المتغيرات المتسارعة؟ ماذا لو انطلق الحل السياسي في موازين لا تشجع اشراك البنية المدنية؟

هل الملف الدولي لإدارة النزاع والحل ينظر للمنظومة المدنية بجدية؟

كيف ندفع بمصالح الناس لتنعكس في التفاوض والدستور واعادة الإعمار؟

كيف نرى سورية في 2025 ضمن أي توازنات اقليمية ودولية يمكن ان نعززها كأهداف

ان رؤيتنا تنطلق من أن عملا فكريا مدنيا يجب ان تعززه خطة تماس المقبلة للمساهمة في تطوير حوار مجتمعي حول أسئلة من هذا النوع لأن حصيلة خنق الحوارات كانت نتائجها قاتلة على التطور المجتمعي وأوجدت بيئة مناسبة لاستمرار الاستبداد السياسي والتطرف بكل أشكاله.

الأصدقاء والصديقات. الزميلات والزملاء

إن تحالفنا الذي علينا الاعتراف أنه ما يزال يبحث عن تعميق هويته ودوره ويدقق توضعه في الهرم الاجتماعي لا يمكنه أن يقدم اجابات وافية عما أوردناه آنفا بدون تعميق شراكات واسعة مع الناس وتعميق العلاقات البينية بين منظماته وتفاعلها بشكل خلاق مع الهيئات المنتخبة، ومن ثم توسيع تلك الدائرة من شراكات المجموعات المدنية المنخرطة في حوارات مفتوحة وتكون رؤيتها حاملة لسلة الهموم التي نحملها. وربما ليس من تناقض بين هذا الالتزام بعقلية التضمين والتشبيك وفكرة مؤتمرنا الحالي من الممكن أقل شرط أن يكون أفضل لأن تقديم نواة مدنية صلبة متضامنة وعالية الكفاءة تكون نموذجا رائجا وجاذبا لاعتماد أدواته في تجارب أخرى وكلنا نشاهد الى أي مدى خطابنا في 2014 و2015 الذي لم يكن واسع الانتشار كيف يصبح اليوم بوضع قابل للتسويق والتبني من أطياف مدنية أوسع.

هل هذا معيار كاف للرضا؟

أبدا حتى ولو كانت سلة الأهداف على مقربة من التحقق لا يمكن للرضا أن يتسلل الينا لأننا ندرك حجم المسؤولية الكبيرة الملقاة على المنظومة المدنية، وندرك صعوبة فتح النوافذ والابواب بين مكوناتها التي تنوع خطابها ومازالت دون مستوى النضج الذي يؤهلها لتكون مبادرة وسباقة في تقديم الحلول.

بواقعية نشير أن ثمانية سنوات ليست بكافية على محو نصف قرن من التهميش والعمل بسقوف منخفضة فرضتها سنوات الدكتاتورية التي ماتزال ترى في هوية المجتمع المدني هوية ملتبسة وغير آمنة وعميلة وهذا يعكس فشل الدكتاتورية عن اجراء تصالح مع مجتمعاتها خارج مكونات القهر والإخضاع وهي مكونات تجعل من المجتمع ذاته غير قادر على انتاج شبكات أمان لحماية حاضره ومستقبله.

 الأصدقاء جميعا

مازالت البلاد تنزف روحها ومواردها وشبابها تحت مطامع تتسع وتهدد فكرة الكيان السوري، والبلاد اليوم تفتقر للشخصيات الوطنية التي تقدر أن ترى المشهد بعينين اثنتين وتتعامل مع المجتمع السوري من منطلق وحدة الاماني والهدف والمصير لا من منطلق المساومات وكون أفراد هذا المجتمع حطب الحرب ومن خطة تأجيل الحلول التي تراكمت منذ الاستقلال حتى اليوم تفاقمت المشكلات وأزمنت مما جعل الانفجار المجتمعي متعدد الأبعاد وأكد بوضوح هشاشة مفهوم الدولة والمجتمع نفسه امام جبروت المنظومة الاستبدادية ( أمن وكتائب معارضة ) ولكن مع ذلك هي فرصة تاريخية لقوى المجتمع المدني –بالرغم من كلفتها الأسطورية – في تصديها لدورها في نقاش جميع المشكلات المتراكمة سواء على مستوى التهميش الاقتصادي بين المدينة والريف وعدم العدالة في توزيع الدخل والخدمات ومحاربة الفساد وتعزيز التنمية المتوازنة العادلة، ومحاربة كل اشكال التمييز على اساس عرقي وديني ومناطقي وجنسي، والدعوة بصوت عال لدولة المواطنة العادلة الديمقراطية والمنصفة ولضمان فضاء مدني حر لجميع افراد المجتمع السوري يضمن مشاركة متنامية للشباب والنساء في صياغة حاضر ومستقبل البلاد.

من الممكن أقل شرط أن يكون أفضل

لتكن عقولنا أنضج وقلوبنا أوسع ورؤانا أنبل

كل المحبة لسوريا الجريحة

وشكرا لكم جميعا